صديق الحسيني القنوجي البخاري

567

فتح البيان في مقاصد القرآن

في حق بل مرهم بما هم فيه من الاشتغال بالأكل والتمتع بزهرة الحياة الدنيا من إلهاء العمل لهم عن اتباعك فإنهم كالأنعام التي لا تهتم إلا بذلك ولا تشتغل بغيره وهذا الأمر لا يستعمل له ماض إلا قليلا استغناء عنه بترك بل يستعمل منه المضارع نحو ونذرهم في طغيانهم ، ومن مجيء الماضي قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ذروا الحبشة ما وذرتكم » وترك ووذر يكونان بمعنى صير أي ذرهم مهملين أي أترك كفار مكة والعموم أولى . وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ أي يشغلهم طول الأمل والعمر وبلوغ الوطر واستقامة الحال عن الإيمان والأخذ بطاعة اللّه تعالى ، يقال ألهاه كذا أي شغله ولهى هو عن الشيء يلهي والمعنى يشغلهم الأمل عن اتباع الحق ، وما زالوا في الآمال الفراغة والتمنيات الباطلة حتى أسفر الصبح لذي عينين وانكشف الأمر ، ورأوا العذاب يوم القيامة فعند ذلك يذوقون ما صنعوا وأكثر ما يستعمل الأمل فيما يستبعد حصوله والأفعال الثلاثة مجزومة على أنها جواب الأمر ، وهذه الآية منسوخة بآية السيف . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة أمرهم وسوء صنيعهم ، وفيه من التهديد والزجر ما لا يقادر قدره وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤذي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ، قال بعض أهل العلم ذرهم تهديد ، وفسوف يعلمون تهديد آخر فمتى يهنأ العيش بين تهديدين . قال عليّ بن أبي طالب : إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمل واتباع الهوى فإن الأول ينسي الآخرة والثاني يصد عن الحق . وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ من القرى بنوع من أنواع العذاب في حال من الأحوال إِلَّا وَلَها أي ولتلك القرية كِتابٌ مَعْلُومٌ أي أجل مؤقت مقدر لهلاكها لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه معلوم غير مجهول ولا منسي ، فلا يتصور التخلف عنه بوجه من الوجوه والواو فيها أوجه : أحدها : وهو الظاهر أنها واو الحال . والثاني : أنها مزيدة . الثالث : أنها داخلة على الجملة الواقعة صفة تأكيدا ، وبه قال الزمخشري . ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ من الأمم أَجَلَها المضروب لها المكتوب في اللوح المحفوظ والمعنى إنه لا يأتي هلاكها قبل مجيء أجلها قيل من زائدة ، وقيل على بابها لأنها تفيد التبعيض في هذا الحكم فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد وَما يَسْتَأْخِرُونَ عنه ، والسين زائدة فيكون مجيء هلاكهم بعد مضي الأجل المضروب له . وإيراد الفعل على صيغة جمع المذكر للحمل على المعنى مع التغليب ولرعاية الفواصل ولذلك حذف الجار والمجرور ، والجملة مبينة لما قبلها فكأنه قيل إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العقلاء فإن لكل أمة وقتا معينا في نزول العذاب لا يتقدم